منوعات

ربّتني فقتلها النظام، ولكنها لاتزال تُنجب.
تلك هي أمي.

في عيد الأم، في الثورة السورية، تتشابه الأمّهات والأعياد.
أمّنا التي ربّت ثوّاراً، قدمت فِلذات أكبادها شهداءً في سبيل الحرّية.
تلك التي لا تستطيع تأمل ملامح أولادها، إلا عبر شاشة الهاتف، اضطرت للبكاء على قبر أبناءها عشرات الشهور ومِدادِ الأيام، حُرِمت حتّى قبراً  تبكيهم عليه، ذاتَ يوم.
أمّنا التي تنتظرنا نحن أبناؤها المعتقلين الغائبين عنها دهراً، على أحر من الجمر.
أمّهاتُنا اللواتي هُجِّرنّ من ديارهنّ، وسُلِب منهنّ تعبُ أعمارِهنّ، وغدى بعيداً عن أعينهن.
تلكَ أمّي تعاني في حرّ الخيمة وبردِها، فقدت أبي، حيث تحمل أثقال الحياة ومشقّتها لكنبر، وتفقدنا مجدّداً.
تلكَ أمي استشهدت، وهي تحميني من غارةٍ في وسط بيتنا، وقبلها ربّتنا أن نعيش بحرّية، ونثور كلّما ضاق بنا الوطن، صنعت جيلاً يدركُ اليوم كيف سيطر آل الأسد على وطني، وكيف سلبوه منّا.
هي أمي التي أحتفي بعيدها اليوم، أم البيت والثورة والوطن.

تروي أم عبد الله :
“في بداية الثورة تملّكني الخوف على أولادي، حين كنت أماً لثلاثة شُبّانٍ جامعييّن، وأنا على يقينٍ بوحشية ما سيصدر عن نظام الأسد تجاه المتظاهرين، رغم شعاراتهم التي تؤكد سلمية مطالبهم.
فيما بعد، صدق شعوري، فقد واجه النظام سلمية المتظاهرين، بالرصاص الحيّ.
هنا استوقفني خياران، إما أن يسافر أبنائي خارج الوطن،
و يفقدوا دراستهم الجامعية، أو أدعمهم، في الثورة الواقفة على بابنا.
في النهاية اخترت دعمهم، كنت أغطي غيابهم أثناء خروجهم في المظاهرات.
إلى أن زاد تواتر الأحداث، واعتقلت قوات الأمن اثنين من أبنائي كانا سوياً أثناء تظاهرهم، حاولت الوصول إليهم، لكن دون جدوى.
مضى على اعتقالهم تسعُ سنوات، لا خبر عنهم، حتى اليوم، إلا في ذاكرتي.
تُضيف أم عبدالله، حيث تبكي: “أكثر ما يزرع فيَ الحسرة، أني كلما دعوت لهما لا أدري، تُرى أدعو لهما بالغفران والرحمة، أم أدعو الله أن يأتيني بهما، من ظلمات المعتقل.
إطلاقاً لم أندم يوماً على مشاركة أبنائي في الثورة، كل ما حصل ويحصل، يَهون في سبيل الخلاص من الظلم، والوصول إلى سورية الحرية، بعيداً عن الفساد في “سوريا الأسد”.

أم عبد الله حكايةٌ من حكايا الوطن، حين تلخّص الأم معاناته، ومع اختلاف ما قد قدمته كل أم يبقى الظالم نفسه في كل حكاية، وتبقى القضية التي نريد واحدة.
في سوريا تجمعنا الأم، وتُفرقنا “السيدة الأولى”، تلك التي ادّعت في بيت المساكين أنها أم لأطفاله، فسرقتهم، وجوّعتهم، وقضت على أنامل ابداعهم، ثم اشتكت لربّ المنزل أنهم مشاغبون.
في سوريا الوطن أمُّنا لاتزال تُنجب، مع كلّ إجهاض لروحها.
كلّ عام وأنتِ بخيرٍ أمنا نحن السوريين.

مريم طاهر – مكتب أعزاز الإعلامي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق